فخر الدين الرازي

24

تفسير الرازي

المسألة الرابعة : قوله : * ( إن الله بعباده لخبير بصير ) * فيه وجهان : * ( أحدهما ) * أنه تقرير لكونه هو الحق لأنه وحي من الله والله خبير عالم بالبواطن بصير عالم بالظواهر ، فلا يكون باطلاً في وحيه لا في الباطن ولا في الظاهر وثانيهما : أن يكون جواباً لما كانوا يقولونه إنه لم لم ينزل على رجل عظيم ؟ فيقال إن الله بعباده لخبير يعلم بواطنهم وبصير يرى ظواهرهم فاختار محمداً عليه السلام ولم يختر غيره فهو أصلح من الكل . قوله تعالى * ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ باِلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) * . ثم قال تعالى : * ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) * اتفق أكثر المفسرين على أن المراد من الكتاب القرآن وعلى هذا فالذين اصطفيناهم الذين أخذوا بالكتاب وهم المؤمنون والظالم والمقتصد والسابق كلهم منهم ويدل عليه قوله تعالى : * ( جنات عدن يدخلونها ) * أخبر بدخولهم الجنة وكلمة * ( ثم أورثنا ) * أيضاً تدل عليه لأن الإيراث إذا كان بعد الإيحاء ولا كتاب بعد القرآن فهو الموروث والإيراث المراد منه الإعطاء بعد ذهاب من كان بيده المعطى ، ويحتمل أن يقال المراد من الكتاب هو جنس الكتاب كما في قوله تعالى : * ( جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ) * والمعنى على هذا : إنا أعطينا الكتاب الذين اصطفينا وهم الأنبياء ويدل عليه أن لفظ المصطفى على الأنبياء إطلاقه كثير ولا كذلك على غيرهم لأن قوله : * ( من عبادنا ) * دل على أن العباد أكابر مكرمون بالإضافة إليه ، ثم إن المصطفين منهم أشرف منهم ولا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظالماً مع أن لفظ الظالم أطلقه الله في كثير من المواضع على الكافر وسمي الشرك ظلماً ، وعلى الوجه الأول الظاهر بين معناه آتينا القرآن لمن آمن بمحمد وأخذوه منه وافترقوا * ( فمنهم ظالم ) * وهو المسئ * ( ومنهم مقتصد ) * وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً * ( ومنهم سابق بالخيرات ) * وهو الذي أخلص العمل لله وجرده عن السيئات ، فإن قال قائل كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفى إنه ظالم ؟ مع أن الظالم يطلب على الكافر في كثير من المواضع ، فنقول المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ويصحح هذا قول عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ظالمنا مغفور له " وقال آدم عليه السلام مع كونه مصطفى : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) * وأما الكافر فيضع قلبه الذي به اعتبار الجسد في غير موضعه فهو ظالم على الإطلاق ، وأما قلب المؤمن فمطمئن بالإيمان لا يضعه في غير التفكر في آلاء الله ولا يضع فيه غير محبة الله ، وفي المراتب الثلاث أقوال كثيرة : أحدها : الظالم هو الراجح السيئات والمقتصد هو الذي